الشوكاني

107

نيل الأوطار

امرأة واحدة من الصحابة ، وهذا لا ينكره من له أدنى نصيب من علم السنة ، ولم ينقل أيضا عن أحد من المسلمين أنه يرد الخبر بمجرد تجويز نسيان ناقله ، ولو كان ذلك مما يقدح به لم يبق حديث من الأحاديث النبوية إلا وكان مقدوحا فيه ، لان تجويز النسيان لا يسلم منه أحد ، فيكون ذلك مفضيا إلى تعطيل السنن بأسرها ، مع كون فاطمة المذكورة من المشهورات بالحفظ ، كما يدل على ذلك حديثها الطويل في شأن الدجال ، ولم تسمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا مرة واحدة يخطب به على المنبر فوعته جميعه ، فكيف يظن بها أن تحفظ مثل هذا وتنسى أمرا متعلقا بها مقترنا بفراق زوجها وخروجها من بيته ؟ واحتمال النسيان أمر مشترك بينها وبين من اعترض عليها ، فإن عمر قد نسي تيمم الجنب وذكره عمارة فلم يذكر ، ونسي قوله تعالى : * ( وآتيتم إحداهن قنطارا ) * ( النساء : 2 ) حتى ذكرته امرأة . ونسي : * ( إنك ميت وإنهم ميتون ) * ( الزمر : 30 ) حتى سمع أبا بكر يتلوها ، وهكذا يقال في إنكار عائشة ، وهكذا قول مروان : سنأخذ بالعصمة ، وهكذا إنكار الأسود بن يزيد على الشعبي لما سمعه يحدث بذلك ولم يقل أحد منهم أن فاطمة كذبت في خبرها ، وأما دعوى أن سبب خروجها كان لفحش في لسانها كما قال مروان لما حدث بحديثها : إن كان بكم شر فحسبكم ما بين هذين من الشر ، يعني أن خروج فاطمة كان لشر في لسانها ، فمع كون مروان ليس من أهل الانتقاد على أجلاء الصحابة والطعن فيهم ، فقد أعاذ الله فاطمة عن ذلك الفحش الذي رماها به ، فإنها من خيرة نساء الصحابة فضلا وعلما ومن المهاجرات الأولات ، ولهذا ارتضاها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لحبه وابن حبه أسامة ، وممن لا يحملها رقة الدين على فحش اللسان الموجب لاخراجها من دارها ، ولو صح شئ من ذلك لكان أحق الناس بإنكار ذلك عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . قوله : لا نفقة لك إلا أن تكوني حاملا فيه دليل على وجوب النفقة للمطلقة بائنا إذا كانت حاملا ، ويدل بمفهومه على أنها لا تجب لغيرها ممن كان على صفتها في البينونة ، فلا يرد ما قيل إنه يدخل تحت هذا المفهوم المطلقة الرجعية إذا لم تكن حاملا ، ولو سلم الدخول لكان الاجماع على وجوب نفقة الرجعية مطلقا مخصصا لعموم ذلك المفهوم . قوله : واستأذنته في الانتقال فأذن لها فيه دليل على أنه يجوز للمطلقة بائنا الانتقال من المنزل الذي وقع عليها الطلاق البائن وهي فيه ، فيكون